السيد كمال الحيدري
67
معالم الإسلام الأموي من القدح في العترة النبوية الطاهرة إلى استباحتها
( ائتوني أو هلمّوا أكتب لكم الكتاب ) وعمر يقول : لا تأخذوا كلام النبي صلّى الله عليه وآله مأخذ الجدّ ؛ فهو قد غلبه الوجع أو أنه يهجر ! لا يقال : إن عمر لم يكن يقصد بكلمته تلك ، أكثر من مجرّد الإشارة لمرض النبي صلّى الله عليه وآله دون أن يهدف إلى منع كتابة الكتاب . لأننا نقول : إن عمر لم يقل ( حسبنا كتاب الله وسنّة نبيّه ) حتى يقال إنه لم يكن قاصداً المنع ، إنما قال : ( حسبنا كتاب الله ) ، وهذا يعني أنه ملتفت إلى إقصائه للسنّة والكتاب الذي طالبَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله بكتابته . هذا ، ولولا أنَّا اشترطنا في دراستنا هذه أن لا نأتي بأحاديث من خارج الصحيحين لنقَلْنا للقارئ بعض مواقف وأقوال الخليفة عمر التي تصبّ جميعها باتجاه منع تدوين الحديث وعزل السنّة النبوية والاكتفاء بالقرآن الكريم « 1 » إلا أنني أكتفي بنقل هذين الحديثين ويبقى على القارئ أن يلاحظ
--> ( 1 ) فمن سياسته حبس الصحابة ومنعهم من التحديث . فعن شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه أن عمر بن الخطاب حبس جماعة منهم أبو هريرة وقال : أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم ، وكانوا في حبسه إلى أن مات . وقال السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة : لتتركنَّ الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم أو لألحقنّك بأرض دوس . وقد أشار أبو هريرة لذلك بقوله : أفإن كنت محدّثكم بهذه الأحاديث وعمر حيّ ؟ ! أما والله إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري . ثم إن عمر كان يوصي ولاته على الأمصار ومن يخرج من الصحابة لها بالإقلال من الحديث ( كما هو الحال مع قرظة بن كعب حين أراد الخروج للعراق ) ويقول : أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم وأنا شريككم ، أو جرِّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله وأمضوا وأنا شريككم . راجع كلَّ هذه المعطيات في : الذهبي ، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد ، سير أعلام النبلاء ، تحقيق مجموعة من المحقّقين بإشراف شعيب الأرناءوط ، مؤسسة الرسالة ، ط 3 ، 1405 ه - / 1985 م ، ج 2 ، ص 600 وما بعدها . وابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله ، تحقيق : أبو الأشبال الزهيري ، باب ذكر من ذَمَّ الإكثار من الحديث دون التفهّم له والتفقّه فيه ، ج 1 ، ص 998 وما بعدها . وقد علَّق الذهبي على تهديد عمر لأبي هريرة بالقول : هكذا هو كان عمر . . . يقول : أقلّوا الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم . وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث ، وهذا مذهب لعمر ولغيره . ولقد استغلّ معاوية بن أبي سفيان ذلك ، فزاد في إجراءات التشدّد العمرية تلك ، ولم يسمح إلا برواية ما تمّ تداوله في زمن عمر ، قال : يا أيها الناس ، أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم وأنتم متحدّثون لا محالة ، فتحدَّثوا بما كان يُتحدَّث به في عهد عمر ، إن عمر . . . كان يخيف الناس في الله ( راجع : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي ، مسند الشاميين ، تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، ط 1 ، 1409 ه - - 1989 م ، ج 3 ، ص 250 ) . والأحاديث المنقولة عن عمر في هذا المجال أو عن سيرته مع من يتعاطى نقل الحديث ، من الكثرة بمكان ، حتى إنها تشكّل وحدها مادّة لدراسة مستفيضة ، إلا أننا نرجئ ذلك إلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى .